انقسم العلماء في التفريق بين الرسول والنبي إلى فريقين:
الفريق الأول: قالوا لا فرق بين النبي والرسول، فالنبي هو من ينبئ والرسول يبلغ الرسالة، وعلى ذلك فلا فرق بينهما. وقد اختار ذلك المعتزلة(1).
وهؤلاء أخذوا بالمعنى اللغوي فقط، لذا فلم يفرقوا بينهما.
وهو قول ضعيف لا يصح لعدة أسباب(2):
[1] قول الله جل وعلا: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألفى الشيطان في أمنيته) [الحج: ٥٢]، فالعطف يدل على المغايرة.
[2] قول الله جل وعلا: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) [مريم: ٥٤]، فالوصف بالرسالة مع النبوة دل على الزيادة، ومثله قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل) [الأعراف: ١٥٧].
[3] حديث أبي ذر رضي الله عنه، أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُول اللهِ كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الأَنْبِيَاءِ؟ قَال: (مِائَةُ أَلفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا) فدل على أن النبي غير الرسول.
[4] حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وجاء في آخره أن البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الذِي أَرْسَلتَ، قَال صلى الله عليه وسلم: (لا، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ)(3)، فلو لم يكن هناك فرق، لأقره النبي صلى الله عليه وسلم على قوله، لكن لما لم يقره دل ذلك على المغايرة.
الفريق الثاني: وهم جمهور العلماء، حيث قالوا بالتفريق بينهما، وأن النبي أعم من الرسول، لكن تعددت الآراء حول التفريق، ونذكر منها ما يلي:
القول الأول: الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عيانًا، والنبي: الذي تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. قاله الفراء(4).
وهذا أغرب الأقوال وأضعفها، لوجوه:
[1] أن ما بطل به إلهام المعارف في التوحيد كان إبطال المعارف به في النبوة أحق.
[2] أن الإلهام شيء خفي يدعيه المحق والمبطل.
[3] قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِليْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُليْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]، فدلت هذه الآية وما شابهها أن جنس وحي الأنبياء واحد، قال ابن حجر: «الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله… الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه»(5).
[4] قوله صلى الله عليه وسلم في قصة أسئلة اليهود الخمسة: (ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر) (6).
وقد رده الألوسي(7)، والماوردي(8).
القول الثاني: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلا عليه، والنبي: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. واختاره الزمخشري(9)، والنسفي(10).
وهذا قول لا يصح من وجوه:
[1] قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ) [البقرة: ٢١٣] ففيها أن النبيين معهم كتب.
[2] أن هارون عليه السلام كان رسولاً: (ثُمَّ أَرْسَلنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلطَانٍ مُبِينٍ) [المؤمنون: ٤٥]، وأخبر سبحانه أنه على كتاب موسى: (وَلقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) [الفرقان: ٣٥].
القول الثالث: الرسول: بعثه الله تعالى بشرع جديد، يدعو الناس إليه، والنبي: من بعثه لتقرير شرع سابق(11). واختاره عمر الأشقر(12).
واعتبر هذا القول كحال أنبياء بني إسرائيل الذين يسوسون أقوامهم بعد موسى عليه السلام.
لكن يُشكل على هذا القول يوسف عليه السلام حيث إنه رسول، لكن كان على شريعة التوراة(13).
القول الرابع: الرسول: بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم يكن جديدًا في نفسه كإسماعيل عليه السلام إذ بعث لجرهم أولا، والنبي: من بعث بشرع غير جديد.
وهو قريب من السابق.
القول الخامس: الرسول: من أوحي إليه وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه. وهو قول مشهور عند أهل العلم، وممن اختاره ابن أبي العز(14)، والسفاريني(15)، وابن عثيمين(16).
وهذا القول على شهرته، إلا أنه مردود عليه بما يلي:
[1] قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) [الحج: ٥٢]، دل على أن النبي مرسل كما أن الرسول مرسل(17).
[2] أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته(18).
[3] قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ فَجَعَل النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ ليْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) الحديث(19)، فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم(20).
القول السادس: الرسول: من أرسل إلى قوم مخالفين، والنبي: من أرسل إلى قوم مؤمنين سواء عمل بشريعة قبله، أو جاء بشرع جديد.
وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(21).
بعد أن استعرضنا الأقوال يتبين لنا في أمر النبي والرسول ما يلي:
أن كلاً من الرسول والنبي يوحى إليهما، ومعهما رسالة، وهما مأموران بالتبليغ، فإن كان مرسلاً إلى قوم معاندين فهو رسول، وإن كان إلى قوم موافقين فهو نبي.
وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول.
وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه.
——————————————————————————–
(1) شرح الأصول الخمسة، ص(567-568).
(2) روح المعاني، الألوسي (17/172)، الرسل والرسالات، الأشقر، ص(14).
(3) متفق عليه، البخاري (6311)، مسلم (7057).
(4) تفسير القرطبي (12/80).
(5) فتح الباري (1/19).
(6) رواه الإمام أحمد (2483) قال الهيثمي (8/187): «رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات»، وحسنه شعيب الأرنؤوط.
(7) روح المعاني (17/173).
(8 ) أعلام النبوة، ص(33).
(9) الكشاف (3/165).
(10 ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (3/160).
(11) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، تفسير النسفي (3/160).
(12) الرسل والرسالات، ص(15).
(13) النبوات (2/718).
(14) شرح العقيدة الطحاوية (1/155).
(15) لوامع الأنوار البهية (1/49).
(16) شرح الأصول الثلاثة، ضمن مجموع الفتاوى (6/122).
(17) أضواء البيان (5/290).
(18 ) الرسل والرسالات، ص(14).
(19) متفق عليه، البخاري (5705)، مسلم (549).
(20) الرسل والرسالات، ص(15).
(21) النبوات (2/714).
مايو 28, 2008 عند 12:57 م
جزاك الله خيرا أخي ماجد فقد فصلت في القول حتى أتضحت الصورة بشكل واضح
أرجوا منك الاستمرار في الكتابة في هذه المدونة فإن شاء الله سأكون من المداومين على قراءتها
وإن شاء الله لن تحرم الأجر