التنصير في السودان

«لن أنسى السودان أبدًا، وإن نسيت فأنتم من ورائي» هذه عبارة لم يقلها رجل مسلم، ولم يقلها إنسان يريد مصلحة السودان؛ بل لقد أطلقها (جورج بوش) لأعضاء اليمين النصراني بالكونجرس الأمريكي وبحضور صديقه المنصِّر الشهير (فرانكلين جراهام)، فما السبب؟ وما أهمية السودان للغرب؟ هذه لمحة موجزة عن أهمية السودان، وسبل المنصرين فيه.

أولاً: أهمية دولة السودان:
السودان بلد مساحته كبيرة؛ إذ تتجاوز 2.5 مليون كيلو متر مربع، بل يعد أكبر دولة عربية وأكبر دولة أفريقية.
وتتنوع فيه الديانات: فيتركز المسلمون في الشمال، وهم يمثلون 70% من إجمالي سكان السودان، أما الجنوب فإن 18% من سكانه مسلمون، و17% نصارى، والنسبة الباقية 65% وثنيون ولا دينيون.
يقول القس (جون باتريك): «إن سقوط السودان في أيدينا يعني سقوط نصف أفريقيا كلها، ويعني طرد العرب والمسلمين منها».

ثانيًا: بداية التنصير في السودان:
لقد خضع السودان لحكم ثنائي بين مصر وإنجلترا بعد الاحتلال، وثُبّت هذا الوضع بتوقيع اتفاقية بين البلدين بواسطة المندوب البريطاني (اللورد كرومر)، ووزير الخارجية المصري آنذاك بطرس غالي (الجد)، وقد وُقّعتْ تلك الاتفاقية في يناير 1899م، وبعدها شرع الإنجليز في بذر بذور الفتنة في السودان بممارسة سياسة، (فرّق تسد) التي بمقتضاها تم تقسيم السودان إلى مناطق إدارية منعزلة بعضها عن بعض، بما في ذلك الجنوب.
فلما بدأ القرن العشرون، (1900م) بدأ المستعمر في رسم سياسات خاصة بالجنوب، ففتح الأبواب على مصاريعها أمام حركات التنصير الأجنبية التي تمثلها جمعيات من أوروبا وأمريكا، وبرز ذلك جيداً في العام 1902م.

ثالثًا: أمور ساعدت على التنصير في السودان:
(1) محاولة تقسيم السودان، بفصل الجنوب عن الشمال:
منطقة جنوب السودان لها وضع خاص بالسودان بحكم قضايا تاريخية وسياسية، وتمثل مساحتها ربع السودان تقريبًا، وسكان الجنوب يمثلون تقريبًا ستة ملايين نسمة، ولا توجد للمسلمين إحصاءات واضحة ولكن تقدر النسبة بـ 20% من عدد سكان الجنوب. وغالب عقيدة الجنوبيين هي الوثنية.
وهو المكان الغني بالموارد الطبيعية؛ ففيه أمطار كثيرة؛ والمناخ استوائي، ولذا فالأرض غنية والأنهار كثيرة جداً، وكذلك الأراضي الصالحة للزراعة، وكذلك في الجنوب ثروة معدنية وهو النفط؛ فالبترول الذي يستخرج في السودان، ويبلغ حوالي 300 ألف برميل يومياً الآن، أكثره موجود في جنوب السودان في ولاية الوحدة .
لذا فإن تدخل الغرب النصراني سياسيًا في جنوب السوداني له أثر كبير في تسهيل مهمات المنصرين، وفي فصل الجنوب عن الشمال.

(2) إلغاء قانون الهيئات التبشيرية:
في 27/2/1964م صدر قانون الهيئات التبشيرية والذي كان لا يسمح بالعمل في إدارة الكنائس إلا لمن يحمل الجنسية السودانية، وفي 4/10/1994م تم إلغاء قانون الهيئات التبشيرية.
مما سبب في التدخل الأجنبي حتى في إدارة الكنائس، مما له الأثر الكبير في التدخل الأجنبي النصراني في السودان.

رابعًا: من نتائج التنصير في السودان:

(1) ازدياد عدد النصارى:
رغم أنه لا توجد إحصاءات دقيقة حتى الآن، ففي دراسة للأب الدكتور (ج.فانتين) قفز عدد النصارى بالسودان كان عشرة أشخاص فقط في عام 1911م إلى (880) ألف في عام 1982م أما اليوم فقد تجاوزوا أربعة ملايين نسمة من المسيحيين ، أي قرابة 11.5% من إجمال السكان.

 (2) إنشاء الكنائس والمنظمات التنصيرية:
فقد صرح مؤخرًا [عام 2007] (دانييل ماركس) ـ أسقف الكنيسة الكبرى بالعاصمة السودانية الخرطوم ـ أنهم يحتاجون إلى أكثر من 350 ألف دولار في مجال التعليم، لتطوير أداء كلية اللاهوت التي لا يزيد عدد المتخرجين منها سنوياً عن (72) منصِّرًا، والانتقال إلى المقر الجديد بمدينة (جوبا).
وأشار (ماركس) إلى أن التنصير في السودان يشهد نموًا مطردًا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حيث ارتفع عدد الإيبارشيات (مجمع كنائس) من أربع إلى ثلاثين إيبارشية، متوسط عدد الكنائس التابعة لكل إيبارشية لا يقل عن خمس وعشرين كنيسة، يتبعها ما يقارب تسعمائة ألف مسيحي.
وتعتبر الكنيسة الكاثوليكية أكبر وأقدم المجموعات الكنسية في السودان، وتنتهج نظاماً مركزياً يتبع الفاتيكان، ثم يليها طائفة البروتستانت ثاني أكبر المجموعات الكنسية في السودان، ثم تأتي ثالثًا طائفة الأرثوذوكس.
ومن المؤسف أن عدد الكنائس في الخرطوم يفوق عدد المساجد!!

(3) إنشاء قنوات وإذاعات إعلامية للدعوة للنصرانية:
وإن كان هذا من وسائل التنصير، إلا أنه بدخول المنصرين زاد عدد الإذاعات التي تدعو إلى التنصير.
وهذا يتمثل في الاستفادة من الحرية التي أتاحتها الدولة للنصارى في الإعلام، فصار لهم وجود في التلفاز والإذاعة والصحف المحلية. أما على المستوى الخارجي فهنالك إذاعات موجهة إلى السودان مثل إذاعة حول العالم الفرنسية «مونت كارلو» حيث يوجه برنامج للسودانيين باللهجة السودانية واسمه «أنشودة الأمل» وكذلك هنالك برنامج «ساعة الإصلاح» في نفس الإذاعة، و«ساعة الإصلاح» مؤسسة كنسية مقرها الخرطوم.
وأقيمت معارض للترويج لما يسمى بـ (الكتاب المقدس) تحت شعار (إنجيل لكل طالب) .

(4) إنشاء المستشفيات والمدارس التنصيرية:
وذلك بإنشاء المستشفيات، كمنظمة أطباء بلا حدود، في عدد من مدن السودان، وتقدم العلاج بالمجان، وعدد من المراكز الصحية العديدة.
وقد أنشأ المنصرون الأطباء مستوصفاً في بلدة الناصرة في السودان، وكانوا لا يعالجون المريض أبداً إلا بعد أن يحملوه على الاعتراف بأن الذي يشفيه هو المسيح.
كذلك إنشاء المدارس التنصيرية والتي تقدم تدريسًا عاليًا، وبمختلف المراحل، وبأنواع التخصصات المختلفة.
بل إن غالب الإغاثة الموجودة في السودان إغاثة غربية.

 

5 تعليقاً

شبهات حول الحرية في الإسلام

 
الحمد وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فالإسلام دين الحرية، ولا يقيد الإنسان إلا لمصلحة أعظم، ولقد أثار أعداء الإسلام حوله العديد من الشبهات ليصدوا الناس عن عبادة الله جل وعلا، وإن الواجب علينا نحن المسلمين دحض هذه الشبهات، ورد كيدهم عليهم، وإنني أدعو طلاب العلم والمسلمين إلى التصدي لمثل هذه التراهات، وهذه بعض الشبهات التي تثار دائمًا، وأرجو منا أن نتعاون في دحض وتفنيد تلك الشبهات.

 
الشبهة الأولى:
قد يقال إن عبادة الله والالتزام بأوامره فيها تقييد للحرية.

الجواب عنها: أن هذا لا يعارض الحرية، لما يلي:

[1] أن الإنسان مفطور على عبوديته لله، فعبادته لله إنما هي اختيار واقتناع. وهو أيضًا يتحرر من عبودية ما سواه.
قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».
وقال تعالى في اطمئنان النفس وراحته بالهداية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].

[2] أن هذا الدين فيه من المحاسن والفضائل؛ بل والبراهين والآيات الدالة على صحته، وأنه الحق الذي لا مرية فيه، فالإنسان يُقبل عليه بقناعة كاملة.

[3] أن ما يكون في الشريعة من تقييدات إنما هي لمصلحة العبد، فقد جاءت النصوص بإحلال النافع، وتحريم الضار، ورفع الحرج، كما قال تعالى واصفًا النبي صلى الله عليه وسلم:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

 الشبهة الثانية:
قولهم إن الإسلام اعتمد على السيف وحده في نشر الدعوة، وأن المسلمين يكرهون غيرهم للدخول فيه.

الجواب عنها:

أن هذا غير صحيح، فالآيات القرآنية تنفي الإكراه في الدخول في الدين، كما قال عز وجل: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[البقرة: ٢٥٦]

أن القتال الذي أمر الله به إنما هو لإزالة العراقيل عن الدعوة الإسلامية، وليس كما يقوله البعض إنما القتال في الإسلام إنما كان لرد العدوان فقط لا غير، أو لإزالة الفتنة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].

والصحيح أن الله أمر بقتال المشركين ابتداءً، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وهذه الآية فهي منسوخة عند جماعة من العلماء، ومن قال إنها محكمة فحملها على النساء والصبيان والرهبان ممن لم يقاتل.

والإسلام لم يحمل السيف ليكره الناس على اعتناق عقيدته، إنما جاهد ليقيم نظامًا آمنًا، يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعًا، وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].

وكثير من البلاد دخلها الإسلام بالإقناع دون حمل السيف، خاصة بلاد شرق أسيا، وما يحصل من دخول المسلمين في بلاد أوربا وأمريكا.

 الشبهة الثالثة:
القول بأن قتال المرتد عن الإسلام يعارض الحرية.

الجواب عنها:

أن قتال المرتد لا يعارض الحرية؛ لأن المرتد قد أقدم على الإسلام باختياره، وآمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح واحدًا من جماعة المؤمنين، فلا يجوز له الخروج عنهم والكفر بما آمن به.

كما أن الارتداد فيه إثارة للبلبلة وتشويش على المسلمين، فمن حفاظ الدين وصيانة المجتمع قتل هذا المرتد، وهذه المصلحة أعظم من أي مفسدة.
 

الشبهة الرابعة:
القول بأن الرق معارض للحرية.

الجواب عنها:

مما لا شك فيه أن الرق سلب الحرية، وأن الإسلام أباحة بطرق شرعية، لكن هذا لا يعارض الحرية لعدة أسباب:

[1] أن سبب الملك بالرق هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدر الله قتال المسلمين للكفار؛ جعل الله الكفار ملكًا لهم بالسبي، إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء، لما في ذلك من مصلحة المسلمين.

وهذا الحكم من أعدل الأحكام، وأوضحها وأظهرها حكمة: فالله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فتمرد الكفار على ربهم، وإعلانهم الحرب على رسله وأوليائه؛ قد ارتكبوا بنعم الله ما أسخطه عليهم، وهذه جريمة كبيرة، فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جل وعلا عقوبة شديدة تناسب جريمتهم؛ فسلبهم التصرف.

ولو فرضنا﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر المُلك بالرق، قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتحسن إليه أنواع الإحسان، ثم دبر عليها ثورة وأسقط حكمها، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة، فإنه ستقتله شر قتلة، وهذه القتل أشد من الرق بمراحل عديدة.

فلما قام الكافر بالحيلولة ضد دين الله وشرعه، عاقبه الله بهذه العقوبة بمنعه من التصرف.

فإن قيل: إذا كان الرقيق مسلمًا فما وجه ملكه بالرق؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربه الله ورسله قد زال؟

فالجواب: أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء: «أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق». فالمسلمون لما غنموا الكفار بالسبي؛ ثبت لهم حق الملكية، فإن أسلم الرقيق بعد ذلك، كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقًا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه.

[2] أن الاسترقاق في الإسلام إنما كان معاملة بالمثل، حيث كان الأسرى يُسترقون، لكن الإمام مخير بين المن والفداء والقتل والرق حسب المصلحة في ذلك.

[3] إن قولنا بأن الاسترقاق في الإسلام يعارض الحرية، هذا نابع من نظرتنا إلى الرق، الذي ارتكبت فيه الشناعات والمعاملة والوحشية التي سجلها التاريخ خاصة في العالم الروماني.

بينما الرق في ضوء الإسلام قد سجل أروع المعاملة؛ بل أمر بتربيتهم وتعليمهم، وحذر من التعدي على حقوقهم بغير حق.

[4] إن الإسلام لم يبح الرق إلا في أسرى الحرب الذي أقدموا باختيارهم وحاربوا كلمة التوحيد، ومع ذلك فقد سعى الإسلام لإعتاق العبيد بطرق عديدة؛ بل أوجب ذلك في حالات عديدة، ففي سبع آيات في القرآن حث الإسلام على العتق، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].

وقال صلى الله عليه وسلم: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار) متفق عليه.

 

المرجع: كتاب: (الحوار مع أهل الكتاب، أسسه ومناهجه في الكتاب والسنة، للدكتور خالد بن عبد الله القاسم)

5 تعليقاً

الفرق بين الرسول والنبي

انقسم العلماء في التفريق بين الرسول والنبي إلى فريقين:

الفريق الأول: قالوا لا فرق بين النبي والرسول، فالنبي هو من ينبئ والرسول يبلغ الرسالة، وعلى ذلك فلا فرق بينهما. وقد اختار ذلك المعتزلة(1).

وهؤلاء أخذوا بالمعنى اللغوي فقط، لذا فلم يفرقوا بينهما.

وهو قول ضعيف لا يصح لعدة أسباب(2):

[1]      قول الله جل وعلا: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألفى الشيطان في أمنيته) [الحج: ٥٢]، فالعطف يدل على المغايرة.

[2]      قول الله جل وعلا: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) [مريم: ٥٤]، فالوصف بالرسالة مع النبوة دل على الزيادة، ومثله قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل) [الأعراف: ١٥٧].

[3]      حديث أبي ذر رضي الله عنه، أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُول اللهِ كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الأَنْبِيَاءِ؟ قَال: (مِائَةُ أَلفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا) فدل على أن النبي غير الرسول.

[4]      حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وجاء في آخره أن البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الذِي أَرْسَلتَ، قَال صلى الله عليه وسلم: (لا، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ)(3)، فلو لم يكن هناك فرق، لأقره النبي صلى الله عليه وسلم على قوله، لكن لما لم يقره دل ذلك على المغايرة.

 

الفريق الثاني: وهم جمهور العلماء، حيث قالوا بالتفريق بينهما، وأن النبي أعم من الرسول، لكن تعددت الآراء حول التفريق، ونذكر منها ما يلي:

القول الأول: الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عيانًا، والنبي: الذي تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. قاله الفراء(4).

وهذا أغرب الأقوال وأضعفها، لوجوه:

[1]      أن ما بطل به إلهام المعارف في التوحيد كان إبطال المعارف به في النبوة أحق.

[2]      أن الإلهام شيء خفي يدعيه المحق والمبطل.

[3]      قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِليْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُليْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]، فدلت هذه الآية وما شابهها أن جنس وحي الأنبياء واحد، قال ابن حجر: «الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله… الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه»(5).

[4]      قوله صلى الله عليه وسلم في قصة أسئلة اليهود الخمسة: (ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر) (6).

وقد رده الألوسي(7)، والماوردي(8).

القول الثاني: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلا عليه، والنبي: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. واختاره الزمخشري(9)، والنسفي(10).

وهذا قول لا يصح من وجوه:

[1]      قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ) [البقرة: ٢١٣] ففيها أن النبيين معهم كتب.

[2]      أن هارون عليه السلام كان رسولاً: (ثُمَّ أَرْسَلنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلطَانٍ مُبِينٍ) [المؤمنون: ٤٥]، وأخبر سبحانه أنه على كتاب موسى: (وَلقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) [الفرقان: ٣٥].
 

القول الثالث: الرسول: بعثه الله تعالى بشرع جديد، يدعو الناس إليه، والنبي: من بعثه لتقرير شرع سابق(11). واختاره عمر الأشقر(12).

واعتبر هذا القول كحال أنبياء بني إسرائيل الذين يسوسون أقوامهم بعد موسى عليه السلام.

لكن يُشكل على هذا القول يوسف عليه السلام حيث إنه رسول، لكن كان على شريعة التوراة(13).

القول الرابع: الرسول: بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم يكن جديدًا في نفسه كإسماعيل عليه السلام إذ بعث لجرهم أولا، والنبي: من بعث بشرع غير جديد.

وهو قريب من السابق.

 
القول الخامس: الرسول: من أوحي إليه وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه. وهو قول مشهور عند أهل العلم، وممن اختاره ابن أبي العز(14)، والسفاريني(15)، وابن عثيمين(16).

وهذا القول على شهرته، إلا أنه مردود عليه بما يلي:

[1]      قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) [الحج: ٥٢]، دل على أن النبي مرسل كما أن الرسول مرسل(17).

[2]      أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته(18).

[3]      قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ فَجَعَل النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ ليْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) الحديث(19)، فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم(20).
 

القول السادس: الرسول: من أرسل إلى قوم مخالفين، والنبي: من أرسل إلى قوم مؤمنين سواء عمل بشريعة قبله، أو جاء بشرع جديد.
وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(21).
 بعد أن استعرضنا الأقوال يتبين لنا في أمر النبي والرسول ما يلي:
أن كلاً من الرسول والنبي يوحى إليهما، ومعهما رسالة، وهما مأموران بالتبليغ، فإن كان مرسلاً إلى قوم معاندين فهو رسول، وإن كان إلى قوم موافقين فهو نبي.

وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول.

وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه.

——————————————————————————–

(1) شرح الأصول الخمسة، ص(567-568).
(2) روح المعاني، الألوسي (17/172)، الرسل والرسالات، الأشقر، ص(14).
(3) متفق عليه، البخاري (6311)، مسلم (7057).
(4) تفسير القرطبي (12/80).
(5) فتح الباري (1/19).
(6) رواه الإمام أحمد (2483) قال الهيثمي (8/187): «رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات»، وحسنه شعيب الأرنؤوط.
(7) روح المعاني (17/173).
(8 ) أعلام النبوة، ص(33).
(9) الكشاف (3/165).
(10 ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (3/160).
(11) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، تفسير النسفي (3/160).
(12) الرسل والرسالات، ص(15).
(13) النبوات (2/718).
(14) شرح العقيدة الطحاوية (1/155).
(15) لوامع الأنوار البهية (1/49).
(16) شرح الأصول الثلاثة، ضمن مجموع الفتاوى (6/122).
(17) أضواء البيان (5/290).
(18 ) الرسل والرسالات، ص(14).
(19) متفق عليه، البخاري (5705)، مسلم (549).
(20) الرسل والرسالات، ص(15).
(21) النبوات (2/714).

تعليق واحد